هل التمر العراقي آمن لمرضى السكري؟ ما يقوله العلم..
- مستخدم ١
- 26 يونيو
- 3 دقيقة قراءة

الثمرة التي يُحذَّر منها مرضى السكري… بينما يأكلها مزارعو التمر العراقي كل يوم
إجابة مباشرة: نعم، يمكن لمريض السكري تناول التمر بكميات معتدلة. فالتمر يملك مؤشراً جلايسيمياً منخفضاً يبلغ متوسطه نحو 42، وأظهرت دراسات مضبوطة أنه لا يُحدث ارتفاعاً حاداً في سكر الدم لدى مرضى السكري من النوع الثاني. وما تحويه الأصناف العراقية كالزهدي والبرحي من ألياف وبوتاسيوم ومضادات أكسدة يجعلها بديلاً غنياً عن السكر المكرّر، شرط أن تبقى الكمية محدودة.
تجوّل في بستان نخيل في أبو الخصيب على ضفاف شط العرب، حيث زرع العراق التمر منذ خمسة آلاف عام، وستلاحظ ما يناقض كثيراً من النصائح الغذائية الرائجة. فالمزارعون الذين يعتنون بهذه النخيل، وكثير منهم رجال تقدّموا في السن وقضوا عقوداً تحت الشمس، يأكلون التمر بكفٍّ ممتلئة كل يوم، ومن بينهم من يعيش مع داء السكري من النوع الثاني. ليسوا متهورين؛ بل يستندون إلى علاقة مع هذه الثمرة سبقت ملصق القيمة الغذائية بقرون، والعلم اليوم يلحق تدريجياً بما افترضوه منذ القدم.
الحلاوة على اللسان ليست ارتفاعاً في الدم
الخوف مفهوم في ظاهره. فالتمرة الواحدة تذوب حلاوةً كالحلوى: كثيفة، بطعم الكراميل، تكاد تلتصق من فرط سكرها. ومن يضبط سكر دمه يقرأ هذه الحلاوة على أنها إنذار. لكن الحلاوة في الفم والأثر في مجرى الدم أمران مختلفان، والخلط بينهما هو مكمن الخطأ في النصيحة الشائعة تماماً. فالمقياس الذي يهمّ فعلاً هو المؤشر الجلايسيمي الذي يقيس سرعة رفع الطعام لسكر الدم. وما كان دون 55 يُعدّ منخفضاً. والتمر في معظم أصنافه يقارب 42، أي أن هذه الثمرة "الحلوة كالحلوى" تقع في المرتبة المنخفضة نفسها التي يُنصح مريض السكري بأطعمتها.
وهذا الرقم ليس صدفة تسويقية، بل ينبع من بنية الثمرة ذاتها. فسكريات التمر تأتي مغلّفة بالألياف الغذائية التي تبطئ امتصاصها في الدم وتكسر الارتفاع الحاد الذي يحدثه السكر المكرّر. وإلى جانب الألياف بوتاسيوم ومغنيسيوم وحديد وفيتامينات «ب» وحمولة كثيفة من مضادات الأكسدة (البوليفينول)، ولا شيء من ذلك في ملعقة سكر أبيض. هنا يضيع الفارق حين نردّد «السكر سكر». فالسكر المكرّر يمنح الجلوكوز وحده، أما التمرة فتمنح الجلوكوز محاطاً بنسيج يغيّر فعلياً طريقة تعامل الجسم معه.
ماذا وجدت دراسة مضبوطة فعلاً
أوضح الأدلة يأتي من نوع الدراسات الدقيقة التي نادراً ما تتصدّر العناوين. اختبر باحثون في الخليج خمسة أصناف من التمر على متطوعين أصحّاء وعلى مرضى سكري من النوع الثاني مضبوطي الحالة، وقاسوا استجابة سكر الدم بعد كمية موحّدة. وقعت الأصناف جميعها في النطاق المنخفض إلى المتوسط، والألفت أنه لم يكن هناك فرق يُذكر بين مجموعتي المرضى والأصحّاء. لم يُحدث التمر تلك الطفرة الخطيرة في سكر ما بعد الوجبة التي يوحي بها التحذير التقليدي. وخلصت مراجعة أوسع للأبحاث إلى نتيجة موازية: تناول التمر باعتدال يبدو متوافقاً مع ضبط سكر الدم، وإن دعا الباحثون عن حق إلى مزيد من البيانات.
لا يعني هذا أن يأكل مريض السكري التمر دون حساب، وهنا على الكتابة الأمينة أن تقاوم إغراء الحكم القاطع. فالمؤشر الجلايسيمي يصف ثمرة واحدة تؤكل وحدها، ولا يبيح التهام خمس عشرة دفعة واحدة. أما الحِمل الجلايسيمي الذي يأخذ حجم الحصة بالحسبان فيرتفع سريعاً إن عاملتَ صحن التمر كأنه كيس مكسّرات مفتوح. ومزارعو البصرة لا يأكلون مئتي غرام دفعة واحدة؛ يأكلون قليلاً، غالباً مع المكسرات أو اللبن أو ضمن وجبة، فتنبسط استجابة السكر أكثر. الثمرة متسامحة، لا منيعة، والفارق كله في الكمية.
ليست كل تمرة هي التمرة ذاتها
ويهمّ كذلك أي تمر تأكل، وهو فارق يكاد يضيع في أسواق صار فيها لفظ «التمر» مرادفاً لصنف المجدول وحده المكدّس في المتاجر. يزرع العراق أكثر من ستمئة صنف، وهي ليست متبادلة. فالزهدي، أكثر تمور العراق انتشاراً، شبه جاف وذهبيّ، أمتن قواماً وأهدأ حلاوة، يناسب القضم اليومي المنتظم. والبرحي طريّ شديد الحلاوة يُحبّ طازجاً. ولكل صنف ملمح سكري ومحتوى ليفي وسلوك جلايسيمي مختلف قليلاً، ما يجعل السؤال العام «هل التمر مناسب لمرضى السكري؟» أخشن من أن يُجاب عنه جيداً. والأجدى أن نسأل: أي تمر، وبأي كمية، ومع ماذا.
إذن، مزارعو أبو الخصيب لا يتحدّون العلم، بل يمارسون نسخة أرقى منه مما يسمح به أي ملصق تحذير. والدرس الحقيقي ليس أن التمر طعام صحي سرّاً، ولا أنه خطر مستتر، بل أن غريزتنا في فرز الأطعمة إلى «مسموح» و«ممنوع» تخذلنا تماماً أمام ثمرة بهذا التعقيد. التمرة ليست لذة مذنبة ولا تصريحاً مفتوحاً؛ هي طعام كامل بأثر جلايسيمي حقيقي وحمولة غذائية حقيقية. وإدارة السكري الجيدة لم تكن يوماً تحريماً للحلاوة بقدر ما هي فهمٌ لها. تعلّم المزارعون ذلك على مهل عبر الأجيال، ونحن لا نقرأ الدراسات التي تثبت صوابهم إلا الان



تعليقات